مر أسبوع والأوضاع في القصر هادية ظاهرياً، لكن ليلى كانت بتخوض حرب جوانية عشان تتأقلم مع الظلمة اللي فرضت نفسها عليها. يحيى كان عكازها وسندها، مبيسيبهاش لحظة، وحتى لما ليلى ضغطت عليه ينزل شغله عشان ميعطلش حياته، كان تليفونه مبيفصلش؛ كل خمس دقايق يطمن عليها كأنه سايب حتة من قلبه وراه.
في صباح يوم جمعة، القصر كان ريحته بخور وهدوء وسكينة. الرجالة لبسوا العبايات البيضاء الأنيقة وجهزوا نفسهم لصلاة الجمعة.
في جناح ليلى ويحيى، كان يحيى واقف قدام المراية بيسرح شعره الكثيف، ومنعكس في المراية هيبة ورجولة طاغية بالعباية البيضاء. حس بخطوات ليلى الحذرة حواليه، لف بسرعة وحاوط خصرها بإيده وقال بحنان:
"حبيبي بيعمل إيه وسط الأوضة لوحده؟"
ليلى كانت ماسكة في إيدها علبة برفان يحيى المميزة، وقالت بابتسامة رقيقة:
"كنت بجيبلك دي.. نسيتها في الحمام وأنت بتاخد شاور، وأنا عارفة إنك بتحب البرفان ده بالذات."
يحيى قرب وشه منها وقال بمراوغة وضحكة مكتومة:
"اممم.. أنا اللي بحبه برضه؟ ولا أنتي اللي بتموتي فيه وبتتجنني لما بحطه؟"
فتحت عينيها الساكنة بدهشة طفولية: "أنا بتجنن؟"
هز راسه بتأكيد وهو بيشدها ليه أكتر:
"أيوه ما تتكسفيش.. أنا باخد بالي أول ما بحط البرفان ده بتفضلي تتلزقي فيا وتشمشمي في قميصي، وأنا بصراحة بكون مكسوف من تحمرشك بيا ده!"
ضحكت ليلى من قلبها، ضحكة صافية وحشت يحيى أوي، فضمها لحضنه بقوة. بس فجأة الضحكة اختفت وحل مكانها نبرة خوف:
"يحيى.. تفتكر مش هقدر أشوف ابننا لما ييجي؟"
يحيى قلبه وجعه بس حاول يطمنها بصوت واثق:
"ليه بتقولي كدة يا ليلى؟ إن شاء الله هتشوفيه وتملي عينك منه.. مش الدكتور في آخر زيارة قال إن التجمع الدموي اللي على عصب العين هيقل وهيروح مع الوقت ونظرك هيرجع؟ خليكي واثقة في ربنا."
هزت راسها بضعف وقالت: "يا رب.."
وبعدين كملت بابتسامة دافية: "عارف إيه أول حاجة نفسي أشوفها لما أفتح عيني؟"
سألها باستغراب وحب: "إيه يا روحي؟"
ردت بهمس وعينها بدأت تدمع:
"أنت يا يحيى.. حاسة إنك وحشني أوي، وبقالي كتير مشفتكش."
رفعت إيديها المرتعشة وبدأت تتحسس وشه بلمسات رقيقة كأنها بترسمه في خيالها:
"وحشني ملامحك الحادة.."
مشت صوابعها على فكه البارز، وقال : فكك البارز ... وطلعت بإيدها لشعره الناعم الكثيف وهي بتهمس: "وحشني شعرك.. وحشني كل تفصيلة فيك كنت بشوفها بعيني ودلوقتي بحسها بقلبي."
يحيى في اللحظة دي مشاعره انفجرت، كلامها ولمساتها كانت أقوى من أي مقاومة. بص لملامحها اللي بتعشق تفاصيله وهي مش شايفاه، وحس بوجع وعشق وجنون ملوش آخر، فقرب منها ودفن وشه بين كفوفها وقبلهم بعمق، قبل ما يغرق في حبها بلهفة وجنون عاشق خلى الدنيا كلها تقف عند اللحظة دي.
________________________________
في جناح عمر وعائشة
كانت الشمس داخلة من الشباك وراسمة خيوط دهب على الأرض، والجو مليان بريحة بخور العود اللي عائشة لسه مبخرة بيه الجناح.
عمر كان واقف قدام المراية، لابس عباية بيضا من الكتان الغالي، كانت مرسومة على جسمه ومبينة عرض كتافه وهيبته، وكان بيظبط الساعة الفضية في إيده. عائشة كانت واقفة وراه، عينيها مش قادرة تنزل من عليه، كانت بتبصله بإعجاب حقيقي، ومنبهرة إزاي العباية البيضا مدياله وقار ورجولة تخطف القلب.
عمر لمح نظراتها في المراية، فلف ليها بابتسامة صفرا كلها ثقة، وقرب منها بخطوات هادية لحد ما بقى قدامها بالظبط، وهمس بمكر:
"إيه يا عيوش؟ شكلي وحش بالعباية ولا إيه؟ بقالك عشر دقايق مبحلقة فيا وناسية ترمشي حتى!"
عائشة وشها احمرّ وضحكت بخجل وهي بتقرب تظبطله ياقة العباية:
"وحش إيه يا عمر؟ ده أنت طالع قمر.. بصراحة العباية البيضا عليك ليها هيبة تانية خالص، شكلك يخطف بجد."
عمر حط إيده على وسطها وسحبها ليه أكتر، ومال على ودنها وقال بنبرة فيها تشجيع وحب:
"طيب يا ست البنات، مادام أنا عاجبك كدة، مش يلا بينا نركز في المذاكرة؟ الثانوية العامة مش بتهزر، وأنا عايزك تركزي عشان تدخلي هندسة وتبقي أحلى مهندسة في العيلة.. أنا واثق فيكي وفي دماغك، وعارف إنك قدها."
عائشة نفخت بضيق طفولي ودلع اكتسبته مؤخرا،وهي بتحط إيديها على صدره:
"أركز؟ أنت بتهزر يا عمر؟ هو أنت سايبلي فرصة أصلاً أركز في كلمة واحدة؟ أنت شاغل عقلي ليل نهار.. كل ما أفتح كتاب، صورتك بتطلعلي بين السطور، وصوتك بيرن في ودني. أنت اللي معطل مصلحتي عفكرة خد بالك!"
عمر ضحك ضحكة رجولية عالية من اعترافها المبطن بعشقها له وتأثيره عليها ، ورفع ذقنها بصوابعه وهو بيبص في عينيها بعشق جنوني:
"بقى أنا اللي معطل مصلحتك؟ طيب إيه رأيك بقى، إن المهندس عمر الصياد هو اللي هيذاكرلك بنفسه النهاردة بعد الصلاة؟ وكمل بخبث واستغلال : بس طبعاً الدروس الخصوصية دي مش ببلاش، وليها حساب طويل أوي معايا."
عائشة ضحكت بخجل وحاولت تهرب من حصاره:
"حساب إيه بس؟ أنت هتثبتني يا بشمهندس؟"
عمر شدها لحضنه تاني بقوة، وباس راسها بحنان وهو بيهممس:
"أثبتك وأثبت الدنيا كلها عشان خاطر عيونك.. ربنا يخليكي ليا يا عائشة، وميحرمنيش من طلتك اللي بتفتح نفسي على الحياة."
________________________________
بعد صلاة الجمعة، رجع الجد ويحيى وعمر القصر، والجد كان وشه مبيتفسرش من الغضب، وقف في نص الصالة وبص لهم بنظرة نارية وقال:
"إنت يواد إنت وهو.. بقالي ساعة مستنيكم في العربية عشان نلحق الصلاة، كنتم بتهببوا إيه منك ليه؟ ده إحنا لحقنا الخطبة بالعافية!"
عمر ويحيى بصوا لبعض بتوتر، وعمر حب يلطف الجو بطريقته المشاكسة فقال وهو بيعدل ياقتة العباية:
"جرى إيه يا جدي؟ براحة علينا شوية.. إحنا لسه عرسان جداد ولينا أشغالنا برضه !"
الجد مد إيده وضربه على قفاه بخفة وهو بيقول بغيظ:
"امشي يا سافل منك ليه.. أشغال إيه يا أبو أشغال إنت في ساعة صلاة؟"
يحيى حب يمثل البراءة ورفع إيده: "بقى كدة يا جدي؟ هو أنا فتحت بوقي؟ أنا كنت لابس ومستني عمر!"
الجد بصله بنص عين: "ما تعمليش فيها بريء.. ما إنت ساهن إنت كمان !"
ضحكتهم عليت بمرح في القصر، وقابلتهم منال بابتسامة حنونة ودخلوا كلهم على غرفة الغدا. يحيى أول ما دخل، راح شد كرسي جنب ليلى اللي كانت قاعدة هادية ومنطوية، مال عليها وهمس بصوت دافي:
"هو القمر بقى بيطلع بالنهار ولا إيه؟"
يادوب ليلى هتبتسم، قطع اللحظة صوت الجد بحدة:
"هو ده اللي إنت فالح فيه يخويا؟ اقعد كل وأنت ساكت!"
الغدا عدى في جو عائلي جميل، لحد ما ميادة قررت تبخ سمها، بصت لليلى بتمثيل وقالت بمنتهى البرود:
"يا عيني يا ليلى، كلي يا حبيبتي كلي.. أصل فعلاً العمى بيخلي الواحد ينسى نفسه، والوحدة والضلمة دي صعبة أوي، ربنا يكون في عونك إزاي هتعيشي كدة طول عمرك؟" وبعدين شهقت كأنها غلطت: "أوه! سوري يا حبيبتي، مكنتش قصدي، زلة لسان!"
يحيى في ثانية الشر طار من عينيه، وبص لميادة نظرة كانت كفيلة تحرقها، وإيده اتشنجت على الشوكة وهو ضاغط على سنانه. ليلى دموعها نزلت زي الشلال، وقامت فجأة وهي مش شايفة حاجة وصوت شهقاتها علي، ومن لخبطتها إيدها نزلت في طبق الشوربة السخن اللي كان قدامها.
صرخت ليلى بوجع: "آآآآه! إيدي!"
يحيى قام زي المجنون، ومنال جريت جابت تلج وحطوه على كف إيدها اللي احمرّ جداً من الحرارة. ليلى كانت بترتعش ومنهارة وقالت بصوت مخنوق:
"يحيى.. أرجوك، طلعني الجناح، مش عايزة أقعد هنا."
يحيى شالها بسرعة من غير كلمة، وطلع بيها الجناح، والكل فضل باصص لميادة بنظرة كره واحتقار، والجد كان هينفجر فيها بس مسك نفسه عشان ليلى.
في الجناح..
يحيى كان قاعد على ركبه قدام ليلى، ماسك كف إيدها برقة وبيحط لها مرهم عشان يهدي الاحمرار، وعينيه كانت مليانة وجع على حالتها. فجأة ليلى اتكلمت بصوت جامد ومصمم:
"يحيى.. أنا عايزة أبعد عن جو القصر شويه . هروح أقعد مع بابا فترة أهدي أعصابي."
يحيى بصلها بحنان وقال: "مفيش مشكلة يا حبيبتي، هو أكيد وحشك، لو تحبي نروح بكرة مع بعض ونقعد عنده يومين تلاتة لحد ما ترتاحي ... أنا معاكي في أي مكان."
ليلى سحبت إيدها منه وقالت بجفاء فاجئه:
"لا.. أنت مش هتيجي معايا. أنا عايزة أبعد شوية وأريح أعصابي لوحدي.. بعيد عنك وعن القصر كله .....
يحيى : ؟؟؟؟؟؟
•تابع الفصل التالي "رواية عشق يحيى" اضغط على اسم الرواية
0 تعليق