رواية صياد النايا الحانا الفصل الاول 1 - بقلم اية العربي

روايات 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

 رواية صياد النايا الحانا (كاملة جميع الفصول) حصريا عبر دليل الروايات بقلم اية العربي

610901441_850580024439922_12072274915871

رواية صياد النايا الحانا الفصل الاول 1 - بقلم اية العربي

رحلات القطار إلى بلدتنا ذهابًا بلا عودة

لذا فالمسافر إليها لا يتخذ قراره عبثًا ، بل يقرره حبًا

وبلدتنا تستحق ، فـ أيٌ غيرها تُبهرك مقدمتها !

وأيّ غيرها تأسُرك أزُقتها ونجوعها !

وأيّ غيرها تُسحرك قصص لياليها حينما يشفُق قمرها !

بلدتنا لا تعرف لهوًا ، والطلقة لا تنطلق من سلاحها غدرًا .

فالحكيم هنا ملكًا والخائن فيها أسِفًا وزوارها رُحبًا

فـ أهلًا بكم وسهلًا على متن القطار المتجه إلى... الأقصر بقلم (آية العربي)

الأقصُر

البلد المليئة بالقصور ، والآثار ، والأسرار .

بلد التناقضات والعادات والموروثات وتعدد اللكنات

هنا تختلف عادة أهل هذه القرية ولكنتهم عن تلك القرية ، وهنا يتبع أهل هذا النجع عادات لم تكن لتناسب أهل ذلك النجع .

فرّقتهم العادات وجمعتهم الخبايا ، ووراء كل بابٍ قصة غامضة ، إن أردت معرفتها أطرق ثلاثًا ، إن فُتح أدخل بيمينك وإن لم يُفتح ارحل بصمت .

في قصر آل حانا

يتم التجهيز للحفل الكبير المُقام على شرف استقبال نجلهم الصغير جابر العائد من روسيا بعد استكمال دراسته العليا في مجال البرمجة والأمن السيبراني .

ذلك القصر العتيق الذي يحتل مركز نجع آل حانا ، يقف شامخًا بهيبته التي تليق بآل حانا ، والنيل من أمامه يمر والمراكب تلقي سلامها عليه باستمرار ذهابًا وإيابًا .

لتحتضنه المساحات الخضراء من كل الجوانب، إنها أراضي العائلة التي تحتضن عددًا كبيرًا من العمال .

قصرٌ تأثر خارجه بعوامل الطبيعة مع ترميمه المستمر من أجل الحفاظ على الهوية، بينما داخله له طابعًا خاص به، له عادات ربما لا تشبه القصور الأخرى،وله قوانين مُلزمة من يخترقها يجب أن يعاقب،ومع ذلك فقلبه ينبض بالرحمة قبل العدل .

يقف عند أسواره الشامخة عددٌ كبيرٌ من الحراس ، يحرسونه من خارج السياج و داخله ، يبدلون دوريتهم كل ثماني ساعات .

في غرفة النوم الرئيسية

يقف الحاج عبد الوهاب أمام المرآة ، وخلفه تقف زوجته رابحة تمسك بالعباءة الخاصة به وتستعد لتضعها على منكبيه .

سعيدة لعودة ابنها الصغير من سفره ، ولكن سعادتها باتت مبتورة ، تدرك أن هناك ضريبة يجب أن تُدفع نتيجة سلطتهم وقوة مركزهم ، وكم تنمت أن تدفعها بعيدًا عن أولادها ، ولكنها تظل أمنيات يتفق أو يختلف معها القدر حسب رغبته .

إلا أنها في جميع الأحوال راضية ، وذلك الرضا لن يمنعها من إيجاد حلول والسعي وراء الأسباب التي تجعلهم آمنين بأي شكلٍ كان ، فهي عند اللحظات الجادة تتحول من أمٍ حنونة إلى لبؤة شرسة تهاجم كل من يمسسهم بسوء .

وضعت الرداء على منكبي زوجها الذي التفت يطالعها بترقب فابتسمت في وجهه قائلة بنبرة مدحٍ وإعجاب :

- صُح الحاچ عبد الوهاب بيليج عليه كِل حاچة يلبسها ، بس بردك العباية غير أي حاچة تانية ، كأنها اتعملت علشانك وبس .

ابتسم لإطرائها ونطق وهو يطالعها بحب :

- الولاد دول كبرونا جوي يا رابحة ، لسة إمبارح الواد چابر كان بيلعب جدامنا في الچنينة ، والنهاردة راچع بشهادته ، ملحجناش نتدلع صُح يا زينة .

جعلها تبتسم ابتسامة صادقة تبعها نفسًا طويلًا كأن المخاوف تأبى أن تتركها تفرح لذا قالت بمغزى مبطن :

- سُنة الحياة يا حاچ عبده ، وبعدين نبجى نتدلع براحتنا مع عيالهم ، واهو چابر رجع أهو ، عايزين نفتح معاهم موضوع الچواز بجى ، يمكن چابر يشچع أخوه .

أومأ لها فهو يدرك أمنيتها لذا أردف مطمئنًا :

- ماتجلجيش ، أني عامل حسابي اتحدتت وياهم بكرة إن شاء الله ، واللي فيه الخير ربك ييسره .

أومأت له وتنفست مطولًا ثم التفتت على أثر طرقات الباب لتسمح للطارق أن يدخل وبالفعل فُتح الباب ودلفت نوارة تبتسم وتردف بنبرة هادئة :

- عمي حسنين وأولاده برا يابوي وبيسألوا عليك .

تأملها لثوانٍ في فستانها الأزرق المحتشم وحجابها الكريمي الذي أبزر جمال ملامحها ، وحليتها الرنانة، العقد و الأساور ، لذا تقدم منها ورفع كفيه يحيط وجهها ثم دنا يقبل جبهتها ويبتعد قليلًا يستطرد بنبرة حنونة وقلقة في آن :

- ربنا يحفظك يابتي ويحميكي .

التفت ينظر لزوجته ونطق بنبرة مرحة ملغمة بالجدية :

- أرجيها يا حاچة صابحة جبل ما تدخل ع الحريم،فيه عيون لا بتسمي ولا بتصلي .

- حاضر ، أخرچ انت بس علشان الرچالة اللي چم تحت .

قالتها صابحة فأومأ وتحرك يغادر الغرفة واتجهت هي تضع يدها على رأس ابنتها وبدأت تتلو آيات الرقية الشرعية تحت أنظار ابنتها التي تفشى الصداع في رأسها وباتت وكأنها تريد الركض مبتعدةً عن هذه الرقية .

❈-❈-❈

على بعدٍ ليس ببعيد

وبالتحديد في نجع الحوامدية ، على ضفاف النيل ، حيث تعيش عائلة آل حامد ، متخذة من هذه الأرض مملكة وقلعة تحيط بها الأراضي الزراعية من ثلاث جهات والجهة الرابعة هو النيل ، مثلها كمثل عائلة آل حانا ، لا ولن تقبل أن تكون بأقل منها .

عائلة عريقة عُرفت بالصرامة والقوة ، يتميزون بقوتهم ودفاعهم عن نسلهم ، العداء بالنسبة لهم أشد قوةً من المحبة ، وربما هذا السبب جعلهم يحتفظون بوجهٍ جليدي خاص بهم ، فلا يحبون ولا يعادون إلا بمقادير وأسباب قوية ، يعيشون على السمعة الحسنة وتصدير المحاصيل الزراعية الطيبة المختومة بجملة (خيرات آل حامد)،لا ينافسهم غيرهم في ذلك مثلما لا ينافس عائلة آل حانا أحدًا في مجال السياحة.

في قصر كبيرهم الحاج زيدان آل حامد

دلفت فرحة غرفة شقيقها أيوب بعدما طرقت بابه وسمح لها ، كان يستعد لتنفيذ الأمنية التي باتت مركز حياته ، لربما تهدأ حُرقة قلبه على شقيقه المغدور ، اليوم وبعد خمس سنوات سيقتص ممن سلب روح غاليه الأكبر .

كان قد ارتدى جلبابه واتجه حيث خزانته يفتحها ليسحب مسدسه أمام شقيقته التي غزا القلق أوردتها واقتربت منه تتساءل :

- عتعمُل إيه عاد ؟ ورايح على فين إكدة يا أيوب ؟

التفت يطالعها وعلامات التحفز باديةً على تقاسيم وجهه لتشق ابتسامة خاطفة محياه ويرفع كفيه محيطًا وجهها يقول بفخرٍ وحماس تجلى في نبرته :

- النهاردِة يا فرحة ، أخوي هينام مرتاح في تربته النهاردِة ، ابن عبد الوهاب هيدفع التمن النهاردة وفرحتهم حتتحول لعزا كَبير .

اتسعت حدقتاها وابتعدت خطوة للخلف تطالعه بريبة ثم نطقت :

- كيف يعني يا أيّوب ؟ واشمعنى الليلة ؟

نطق بغضبٍ دفين :

- وهو احنا عارفين نوجّعه جبْل سابج ؟ كنك مش دارية باللي فيها عاد ؟ الليلة عنديهم ناس كَتير وچايلهم أغراب وهيُبجى صعب عليهم يأمنوه .

أخذتها ذاكرتها إلى المرة السابقة ، ليلة زفاف مهران آل حانا حينما حاول شقيقها آنذاك ولم يُفلح لذا قالت بخوفٍ شديدٍ عليه برغم نظرات القوة التي تمتلكها :

- اصبر ياخوي ، أني خايفة عليك جوي ، لو وجعت في يدهم ماحدش منيهم حيرحمك ، وأني ماعتحملش واصل ، وبعدين چَدي نبه عليك جبل سابج ماتتصرفش من راسك عاد ، بلاش الليلة يا أيوب ، أخاف عليك تروح تحرجهم ترچع رماد .

طالعها مستنكرًا يقطب جبينه ويبتعد خطوة للخلف مستفهمًا :

- من ميتا وانتِ جبانة إكدة ؟ ولا ليكون دم أخوكي بجى مية ؟ چرالك إيه يا فرحة ، ماكنش ده حديتك ، لتكوني ناوية تجبلي كفنه زي ما مرت عمك رايدة ؟

ظهر غلًا مركزًا في مقلتيها،لم تستطع السنين تقليله،على العكس ربما يزداد في كل يومٍ يحيى فيه ابن آل حانا .

تبدلت ملامحها كأنها ارتدت قناعًا متوحشًا ، لتصبح وكأنها ترى أمامها عمار آل حانا لذا قذفت كلماتٍ من رصاصٍ وعبرت عن وحشية ما يعتليها قائلة :

- كفن مين اللي أجبل بيه مكان مؤمن ؟ الكفن ده هو اللي حيتلف فيه جريب جوي وهو محشور في جبره ، محاجاش هتطيب جلبي وتبرد ناره غير واني مملية عيني بدخلته الجَبر ، بس أني ماعنديش استعداد أخسرك إنت كمان ، بكفاية نار مؤمن اللي جايدة ومسعورة چوايا يا أيوب .

ولهذا فهو يريد أخذ ثأره بشكلٍ مضاعف ، لأنه يرى مدى حزنها الذي اشتعل منذ ذلك اليوم ولم ينطفيء ، وألمها الساكن في أسارير وجهها ، وحق شقيقهما المسلوب الذي لم يأخذه القانون لتصبح بعدها عائلة آل حانا هي العائلة الأشد كرهًا لهما برغم أن زوجة عمهما هي السيدة منصورة آل حانا شقيقة عبد الوهاب آل حانا نفسه .

عمّر سلاحه ودسه في جيب جلبابه الداخلي من فتحة الصدر ونطق بتصميم سافر :

- يبجى بعّدي عن طريجي يا فرحة وسبيني انفذ اللي في راسي جبل ما چدك يجبل بالصُلح .

تحرك مندفعًا يغادر الغرفة وتركها تقف تنظر إليه كأنها تودعه ، بقلبٍ نازف ، وتفكير يتأرجح بين كفتي ميزانها المهموم ، أتتركه يذهب ويأخذ ثأرهم ويعود وحينها سترتاح من هذا العذاب ؟ أم لا يعود وتنغمس في عذابٍ جديد ؟ ويحيا ذلك الغدار عمار ويتباهى بنفسه في كل مرة يشارك منشوراته وأعماله على موقع التواصل فيس بوك ؟

ضاق صدرها حينما تذكرته ، فالكره الذي تدخره له يفوق حد الكره المتعارف عليه ، وكلما رأت هيأته وافتخاره بنجاحه وعمله أرادت أن تنهش قلبه بيديها ، ليتها تستطيع هي قتله بنفسها لتكن سيرته على لسان أهل النجوع ويلحقه العار بأن امرأةً مِن عائلة آل حامد هي مَن قتلت عمار آل حانا ، ولكن صبرًا يا ابن عبد الوهاب .

❈-❈-❈

اليوم تمت مضاعفة عدد الحراس بناءً على رغبة الحاج عبد الوهاب ، ليس لأنه حاكم ظالم لهذا النجع ، بل على العكس تمامًا فهو رجلٍ عُرف بعدله ورحمته في آن ، اجتمع على حبه الكبير والصغير داخل النجع ، ولكنه يحترم أعداءه من النجوع الأخرى ، يقدرهم ، يحسب حسابهم دومًا ويعرف مدى كرههم له ، ولربما كان هناك بعض الأعداء من دمه يخشى استيقاظ حقدهم وشرهم في أيّة لحظة، لذا فهو دومًا حذرًا يحرّص ولا يخوّن .

توافد الحضور من قريب ومن بعيد ، باتت ساحة القصر معبأة برجالِ محافظة الأقصر وغيرهم من المحافظات الأخرى ، حتى أن هناك قلة من خارج مصر نظرًا لعملهم في مجال السياحة حيث شركتهم الخاصة التي يديرها مهران وعمار .

جلس الحاج عبدالوهاب بين الحضور يرحب بهم ترحيبًا يليق به ، يتابعه من المسافة صفر شقيقه حسنين ، باهتمامٍ وتركيز وغيرة دفينة من هيبته وسلطته ومركزه بين الناس ، على يساره يجلس ابنه الأكبر راجح المتزوج حديثًا يميل على والده ويهمس باستنكار :

- كل البعزجة دي والليلة الكَبيرة جوي دي علشان خاطر المحروس چابر راچع من السفر ؟ أومال ليلة فرحه حيعملوا إيه ؟ وانت ساكت ليه يا بوي مش كل البزخ ده من فلوس العيلة ولينا حج فيها ولا إيه ؟

لكزه حسنين وحدجه بنظرة متوعدة نظرًا لقرب عبد الوهاب منه فتحمحم راجح والتزم الصمت يلتفت بأنظاره نحو شقيقه سيد الذي أومأ له بعينيه في إشارة بأن يهدأ ، ليس هذا المكان المناسب لهذه الكلمات ،فلينتظروا العودة للمنزل .

في النافذة العلوية تقف نهاد خلف الستار تتطلع على والدها وشقيقيها بقهرٍ ينهك روحها ويسلب راحتها ، لم تستطع تجاوز الظلم الذي تجرعته منهم ، لم تستطع نسيانه ، لم تستطع غفرانه ، حتى أنها لا تحب النظر في وجوههم ، وبرغم هذا كلهُ ألا أنها في كل مرةٍ تستنكر عدم سؤالهم واهتمامهم بها .

عادت تتذكر ما مرت به وما عاشته معهم ، عادت تتذكر كيف تم بيعها كأنها جارية وليست ابنتهم ، تتذكر كيف أجبروها أن توقع عن تنازل في ورث والدتها بحجة أن البنت لا تورث ، وبالفعل وقّعت مجبرة ولكن أبت شقيقتها أن تفعل ، شقيقتها ولاء التي تتحلى بالجرأة لذا فهي أقل ضررًا منها ، أو ربما تجرأت بعدما رأت تعامل والدها وشقيقيها مع شقيقتها ، فلم يكن أمامها سبيلًا إلا بناء حصنٍ لها ، فاتخدت من التمرد حلًا لهذا الظلم ، بينما نهاد اتخدت الخوف والتنحي بعيدًا والغرق في بحر المظلومية والحزن .

فُتح الباب فانتفضت على أثره والتفتت لتجد زوجها مهران أمامها ، لذا أسرعت تغلق النافذة وتجفف دموعها والتفتت تطالعه بتوترٍ من نظراته، ولكنها اقتربت منه تحدق به مجددًا بعدما تخلى عن حِلّته الرسمية وارتدى جلبابه الصعيدي فبدا وسيمًا ذو هيبة وعزة ، تراه بعينين عاشقتين حد النخاع لذا وقفت أمامه تفرك كفيها وتردف بنبرة متحشرجة :

- حُصل حاچة يا مهران ؟

بنظرات ذات مغزى طالعها وتساءل بهدوء :

- واجفة عندك ليه دلوك يا نهاد ؟ مش المفروض تنزلي تحت مع أمي والحريم ؟

توترت قليلًا وأجابته شاكية بمقلتين لامعتين :

- أني كنت معاهم وطلعت أغير خلجاتي بس وجفت أبص على أبوي وأخواتي ، أني متأكدة زين إنهم ماعيفكروش فيا واصل ، مافيش واحد منيهم عيجول أشوف اختي واطمن عليها ، ولا أبويا يفكر حتى ولا جلبه يحن .

تأفأف مهران ومسح على وجهه مستغفرًا من تكرار شكواها التي باتت مملة ، فأصابها الحزن وابتلعت ريقها تسترسل قبل أن يتعكر صفوه وهي تملس على صدره :

- خلاص يا مهران عاد ماتتأفأفش إكدة ، أني بفضفض معاك .

رفع نظره يطالعها بملامح ثابتة ، كلما نظر إليها ذكرته عينيها بعمه ، وإن لم تذكره عينيها فلسانها يفعل ، وهو لا يريد أن يخوض حديثًا مركزه ذلك العم الذي لا يحبه ، لا يطيقه ، لا يتحمله ، خاصةً بعدما أُجبر على هذا الزواج .

نطق بنبرة صلدة بعض الشيء :

- دي مش فضفضة يا نهاد ولا ده وجته ، إحنا إكدة اللي بنعيده نزيده ، قلتلك جبل سابج شيليه من راسك ، إنتِ إهنة بتتعاملي كنك بنت الجصر وكلهم بيحبوكي ، اطلعي بجى من دور المظلومية دِه .

نظرت له بخيبة من عدم اكتراثه لآلامها ، حتى وإن بالغت ولكنها تتمنى لو يشعر بها ، يشاركها مبالغتها ، يفهمها أو يطيب خاطرها ، تدرك أنها باتت درامية في الآونة الأخيرة ، خاصةً بعد إنجابها لطفلها الأول حمزة والذي يبلغ من العمر خمسة أشهر ، لا تعلم سبب هذه المبالغة ولكن كل ما تعلمه أنها لن تغفر لوالدها قط .

تحرك مهران يلتقط هاتفه من فوق الكومود ثم التفت عائدًا للخارج يستطرد بجدية قبل أن يغادر :

- يالا انزلي علشان حمزة بيبكي وعايز يرضع وماتشغليش بالك باللي مش سائل عنك ، ركزي مع اللي بيحبوكي .

قصد عائلته ، ربما ألقى هذه الجملة كمؤازرة لها ولكنه لم يستطع أن يحتويها ، كلما حاول أن يفعل ذلك صدته مشاعره ، لم يتجاوز لحظة إجباره عليها بعد، ولكن تبقى كلمة السر لديه هو والده الحاج عبد الوهاب .

تحرك ينزل الدرج ليلتقي بشقيقه عمار الذي وقف آخر الدرج يطالعه ويردف بنبرة عالية :

- حتيچي معايا نچيب أخوك من المطار يا مهران ولا تخليك إهنة ؟

وصل مهران إليه ونطق بخوفٍ متوارث من والداه :

- لا خليك إنت إهنة يا عمار وأني هروح اچيبه .

قرأ عمار خوفه لذا ابتسم بضيق يصيح مستنكرًا :

- حتى في يوم زي دي عايزين تخبوني كيف الحريم ولا إيه ؟ بلاش إكدة يا مهران ، بزيادة عليا الحاچ والحاچة ، ماتبچاش إنت كمان عليا .

ربت مهران على كتفه يردف بتأنٍ :

- مش إكدة يا عمار ، بس إنت خابر زين أيوب عيفكر كيف ، خليك إنت إهنة مع الرچالة علشان الليلة تعدي على خير .

زفر عمار بصعوبة شاعرًا بالاختناق يداهم عنقه ، وكاد أن يتحدث لولا ظهور والدهما الذي وقف أمامهما يردف وهو يستند بكفيه على عصاه الشامخة :

- روح ويّا أخوك يا عمار ، لازم چابر يلاجيكم جدامه انتوا الچوز ، وانت يا مهران جول للرچالة يچهّزوا العربيات ويطلعوا وياكو ، يالا عاد ماتغيّبوش .

قالها والتفت يغادر ليقف عمار يحدق فيه بهدوء مبهم على عكس ثورته الداخلية ، إلى متى سيظل محاصرًا بهؤلاء الحرس للدرجة التي باتت تشعره أنه سجين ، يشعر أن الموت أهون لديه من هذه الحياة التي يعيشها .

أصدر زفرةً قوية واستمع إلى مهران وهو يتحدث مع الحرس عبر الهاتف ويجهزهم ليقرر التحرك الآن بقلة حيلة باتت جزءًا لا يتجزأ منه ، ولولا احترامه الكبير لوالده لما تقبّل هذا الوضع قط .

❈-❈-❈

في مندرة النساء الواسعة

جلسن جميعهن تتحدثن كل مجموعةٍ عن موضوعٍ مختلف ، أصواتهن عالية وكلماتهن لا تفهم من كثرتها ،ترتدين جلابيب معظمها باللون الأسود، تلتف أعين بعضهن على ملكات القصر تارة وعلى الضيافة التي تحتل منتصف المندرة والتي عبارة عن كل ما لذ وطاب تارةً أخرى ،لذا فالأقاويل لا تتوقف والنميمة لا تترك ألسنة الكثيرات .

في منتصف المجلس جلست الحاجة صابحة بكامل زينتها وحُليّها ترحب بهن بوقار ، تجاورها عن يمينها ابنتها نوارة ، وعن يسارها جاءت للتو نهاد وجلست ، ومن حولهن نساء العائلة والنجع ولكن بالطبع غابت عنهن العمّة منصورة .

كانت نوارة صامتة ، تنظر أرضًا كأنها تفكر في شيءٍ ما وهذه عادتها حينما تجتمع مع النساء ، اقتربت منها عمتها نجوى تبتسم وتردف بنبرة مغلفة بالعاطفة ومبطنة بالخبث وهي تربت على ظهرها :

- مالك يا بت أخوي ؟ شاردة في إيه عاد ؟

ابتسمت نوارة بمجاملة ولم تجب لتستطرد نجوى بتمني :

- افرحي يا بتي لچية أخوكي ، عجبال مانفرح بيكوا ونعمل ليلة كَبيرة يتحاكى عنها الصعيد كلياته .

ابتسمت نوارة وتحدثت بنبرة خافتة :

- فرحانة أكيد يا عمتي ، بس راسي مصدعة شوي .

توسعت حدقتيها في اهتمامٍ مبالغ به ونطقت :

- من إيه بس يا جلب عمتك ؟ تلاجيكي ماكلتيش زين ، جومي معايا وانا اجولهم يچهزولك وكل ، وبعديها تاخدي مسكن ولا حاچة ، السهرة طويلة وماينفاعش تجعدي إكدة .

هي بالفعل لا تفضل هذا المجلس ، لا تحب الزحام خاصةً وأن أنظار النساء تلتفت لها بين الثانية والأخرى ، بعضهن تغار منها لجمالها وحسبها ونسبها وتعقلها لذا...

أومأت لعمتها ونهضت معها تتحرك إلى الخارج والأخرى تتبعها وتحيط ظهرها بحماسٍ وانتصار من تأثيرها عليها .

فهذا ما تريده نجوى ، تتمنى لو تتحقق أحلامها ويتزوج ابنها من نوارة و جابر يتزوج من ابنتها وبهذا ستكون قد امتلكت الكثير من السلطة والقوة والمال ، لذا لن تكف سواءً هي أو زوجها عن السعي وراء هذا الحلم .

❈-❈-❈

في مدينة طيبة إحدى مدن الأقصر

جلست ريم حول مائدة الطعام بعدما جهزته مع والدتها ، طاقتها كبيرة وسعيدة لما حققته اليوم من إنجازٍ في عملها ، تنظر لوالدتها بسعادة وقلقٍ في آن خوفًا من ردة فعل شقيقها الذي لاحظ ما يدور من حوله لذا التقط خوفهما و تساءل بترقب :

- امم ، خير ، مخبيين ايه عليا ؟

نظرتا لبعضهما تبتسمان ثم نطقت ريم بتروٍ وحنجرة صعيدية تجعل كلماتها ترتدي الهيبة :

- هقولك طبعًا يا نوح ، أنا النهاردة اتصرف لي مكافأة من المدير بنفسه ، بعد ما نچحت في فك شفرات فيروس الكتروني كان بيهدد الشركة كلها ، وقدرت أحوله بعد ما كان بيهاچمهنا بقى بيهاچم الشركة المنافسة اللي خرچ منها .

نظر لها بفخرٍ كبير ، لقد أفلح من رباها بعد موت والدهما منذ أن كان عمرها خمس سنوات ، طموحة ونشيطة وتسعى لكي تكون في القمة ، تمتلك قلبًا لينًا وحنونًا يخشى دومًا من استغلاله .

حدق بها ونطق مبتسمًا :

- برافو يا ريم ، بنت أخوكي بصحيح ، أنا عارف إنك ذكية وچدعة وراسك توزن بلد اللهم بارك .

مدحه جعلها تتحمس لتخبره بما يعتليها لذا نطقت بشكلٍ عفوي برغم توترها :

- حبيب قلب أخته يا ناس ، وعلشان ذكائي ده المدير عايزني أسافر معاه النرويچ أسبوع .

- نـــعـــــــــم ؟

نطقها مشدوهًا وقد تبدلت نظراته وتحفز جسده لتسرع مسترسلة توضح قبل أن يتحول :

- هيكون معانا وفد كبير ، ومش أنا البنت الوحيدة اللي مسافرة يا نوح ، بس دي رحلة مهمة قوي وهستفاد منها كتير واسمي واسم الشركة هيسمّع ، علشان خاطري يا نوح ماترفضش ، فكر بس كويس هتلاقيها فرصة ماتتعوضش .

نظر نوح لوالدته ليجدها تهز كتفيها بتردد ، لقد حاولت مع ابنتها منذ قليل ولم ترضخ لذا تركت القرار بيد ابنها الأكبر ، هي لم تستطع الرفض المطلق إلا بعد الرجوع إليه فتركت له زمام الأمور .

التفت يحدق بشقيقته التي تستعطفه بنظراتها ولكنه نطق بصرامة مغلفة بالخوف عليها :

- آسف يا ريم الطلب ده مرفوض من أساسه ، ماقدرش أوافق على سفر أختي لوحدها مع رچالة غريبة عنها ، حتى لو معاكي بنات ، أنا مش هآمن لحد غريب ، إنتِ مش رايحة القاهرة ولا الإسكندرية ، دي دولة تانية وقارة تانية ، والمفروض أصلًا مانتناقش في حاچة زي دي ، إنتِ عارفة رأيي فيها كويس قوي .

تجهمت ملامحها وحل الحزن عليها بعدما شيدت آمالًا داخل عقلها ، لتحاول معه قائلة بإحباط :

- طب تعالى معايا يا نوح ؟ هو أسبوع واحد بس .

هز رأسه برفضٍ يستطرد بجدية تعلمها جيدًا :

- ماقدرش آخد أسبوع غياب من الكلية خصوصًا إننا داخلين على مراچعات ، وبعدين إنتِ فعلًا اسمك معروف يا ريم في المچال ده ، لو على الطموح أنا معاكي وبدعمك بس من غير مانتخطى حدودنا ، فهمتيني ؟

لم تجبه بل زفرت بضيق وأرادت أن تنهض فلم يعد لديها شهية حيث كانت تتمنى لو وافق وتسافر إلى تلك البلد الأوربية ، ولكنها تدرك بأنه لن يحب تصرفها هذا لذا أُجبرت على الجلوس وتناول الطعام تحت نظرات والدتها التي تحاول دعمها بالنظرات ، بينما نوح تعلق بحدته كي لا تحاول معه مجددًا لذا نهض يردف بعبوس :

- الحمدلله ، أنا همشي ، لو احتچتوا أي حاچة كلموني .

❈-❈-❈

بعد وقتٍ

وقفا أمام مطار الأقصر يستندان على سيارتهما وينتظران شقيقهما الذي أوشك على الخروج ، يتحدث عمار بنبرة ساخرة مبطنة بالألم والملل بعدما التفت يمينًا ويسارًا :

- جال يعني هما دول اللي حيمنعوا عني الموت !

التفت مهران يطالعه لبرهة ثم عاد ينظر أمامه وتكتف ينطق بمغزى :

- ماحدش بيمنع الموت عن حد ياخوي ، ده مجدّر ومكتوب ، بس إحنا نجدر نمنع الغدر ، وانت خابر زين إن أيوب غدار ومالوش أمان .

أومأ عمار وشرد يفكر كعادته ولم يزِد من شكواه لذا تساءل مبدلًا حواره ينطق مازحًا :

- أخوك اتأخر چوة ، جلبي حاسس إنه هيطلع دلوك ومعاه مرته وعياله .

ابتسم مهران وتخيل ذلك لينطق بنبرة يسكن فيها الرفض والاستنكار :

- ومالو ، إكدة أحسن بردك من إن أبوك يچبره على واحدة مهواش رايدها .

أدرك عمار مقصده فتنفس ونطق مترويًا :

- مش إكدة يا مهران ، لو أني خابر إن جلبك كان ميال لغيرها كنت جولتلك معاك حج ، لكن إنت جلبك فاضي ، وينفع نهاد تسكنه ، ماتخدهاش بذنب عمك ، فكر زين ياخوي لأجل عيون حمزة .

شرد مهران في أمره وحياته التعيسة ثم نطق معبرًا عما يعتليه :

- أني جفلت جلبي بالضبة والمفتاح يا عمار ، مارايدش فيه حد ، عادي يعني مش كل چوازاتنا لازمًا تبجى عن حب ، وعلشان خاطر عيون حمزة أني بحاول اتعود على الحياة اللي اتفرضت عليا .

حزن عمار لأجله ورفض استسلامه هذا لذا نطق مستفهمًا ببعض الضيق :

- ماجولتش لاء ليه يا مهران ؟ مارفضتش ليه ياخوي بدل ما تظلم نفسك وتظلم بنت عمك معاك ؟

ابتسم مهران بملامح متألمة والتفت ينظر لشقيقه ويردف بمغزى وهو يشير نحو الحراس :

- وانت عرفت ترفض الحراس دول يا عمار ؟ عرفت تجول لاء للحاچ عبد الوهاب ؟

مسح عمار على وجهه يتنفس بقوة ثم قرر الصمت الذي يجعله حائرًا لا يعلم هل شقيقه ظالمًا أم مظلومًا ، وهل يستوي رفض الحراسة برفض الزواج أم لا .

قطع تفكيرهما ظهور جابر أمامهما يخرج من بوابة المطار ، وحينما لمحهما ترك حقائبه وركض نحوهما يعانقهما سويًا باشتياق ويردف وهو يدفن وجهه بينهما بسعادة مفرطة :

- اتوحشتكم جوي يا اخواتي .

بادلاه العناق والترحاب بحفاوة ليبتعد عنهما وينظر لهما قليلًا ثم نظر حوله ليجد الحراس منتشرين لذا زفر واسترسل بضجر ومزاح :

- رچعنا لوچَع الجلب عاد ، ماتيچوا معايا نرچع على روسيا ، أخدكم ونهرب دلوك وماحدش عيعرفلنا طريق ، هناك شوية حريم يحلوا من على حبل المشنجة .

طالعه مهران بنظرات عتابٍ بينما هز عمار رأسه بقلة حيلة يردف مجابهًا :

- لساتك زي مانت يا ولد أبوي ، ماتعلمتش حاچة من الغربة واصل ؟ ماعتكبرش عاد ؟ أومال هتعجل ميتا ؟

أجابه مهران بدلًا عنه يردف باستفزاز :

- لما يحب واحدة صعيدية صُوح تمشيه ع العچين .

ضحك جابر يجيبهما بثقة وتأكيد :

- لسة ماتخلجتش اللي تمشي چابر آل حانا ع العچين ، أخوك بعون الله هو اللي هيمشي البنات كلياتها وراه ، انتوا نسيتوا ولا إيه ؟

حثه مهران على التحرك نحو السيارة بربتات حادة على ظهره كعقاب ، بينما تحدث عمار وهو يتحرك معه :

- لا ماحدش ناسي ، يارب بس ماتكونش نسيت آخر مرة إيه اللي حُصل مع أولاد الحاچ سعد ، مش عايزين مشاكل يا چابر ، المفروض إنك كبرت وعجلت .

ضحك جابر حينما تذكر واستقل السيارة ينطق بعفوية غير متعمدة :

- يا ولد أبوي أنا مشاكلي صغيرة عاد ماعيچيش من وراها هم ، خلينا في حكايتك إنت وجول وصلت لفين ؟

تجهمت ملامح عمار وزفر بقوة ثم رفع كفه يشير نحو الحراس قائلًا :

- وصلت لهنه ، بجيت ماشي شايل روحي على كف عفريت ، ماعتحركش خطوة من غير الرچالة .

زفر جابر وشعر أنه تمادى لذا أسرع يسترسل بمرح وهو يلكز مهران الذي يجلس في الأمام مجاورًا السائق :

- هو ده الفلتة اللي فينا ، كنْ رحم الحاچة صابحة حلف مايچيب غيره ، عاجل وراسي ، من يوم يومه مابيعملش مشاكل وماشي دوغري .

ابتسم مهران ولم يعلق بل نظر أمامه بصمت يفكر في حياته ، نعم بالفعل ربما يمتاز بالهدوء والتروي ولكن ألا يكفيه أن حياته الزوجية بائسة لا شغف فيها ، وكأن هذا الهدوء تحول إلى صقيع غلف قلبه مع نهاد برغم محاولاتها الدائمة لإرضائه .

بدلوا ثلاثتهم الحديث ليصبح عامَا و تساءل جابر عن أحوال النجع والعائلة وعمار يزوده بالمعلومات التي يحب جابر الغوص فيها ، وبالطبع لا يخلوا حديثهم من مزاحه وكلماته الجريئة وأفعاله الصبيانية التي برغم استنكارها إلا أن مهران وعمار يستقبلانها منه بمرحٍ ، ربما طريقته هذه هي التي كسرت حدة حياتهما .

❈-❈-❈

عم الليل أرجاء النجع

وصلوا إلى القصر وتعالت الصيحات وأصوات الرصاصات لاستقباله ، يفتخر الحاج عبد الوهاب بتعليم أولاده ، فهو يوقن أن العلم والمعرفة هما السلاح الأقوى في هذا الزمن ، لذا حرص على تعليم جميع أولاده تعليمًا عاليًا ، فلم يبخل عليهم قط ، كذلك ابنته نوارة التي تدرس في كلية الآثار في سنتها الأخيرة ، ولكنها هذا العام لم ترغب بالذهاب للجامعة لذا قررت الدراسة عبر الإنترنت !

وقف جابر في باحة القصر حيث استقبله والده بعناقٍ حار ، وصدح صوت المزمار الصعيدي لتبدأ فقرة الرقص بالعصا ، لذا تحمس جابر لها فناوله عمه حسنين عصاه ليقف أمام والده يرقص معه و يجابهه في مبارزة يغلب عليها الحب وتغلفها الفرحة من قبل الجميع، ليسقط جابر عصاه عن عمدٍ أمام عصا والده الذي ابتسم وعاد يعانقه بحفاوة .

على بعدٍ مناسب ، وخلف أحد أسوار القصر الذي يتناوب عليها الحرس بين الفينة والأخرى .

وقف أيوب متوترًا ، يصوّب فوهة سلاحه نحو الداخل منتظرًا اللحظة المناسبة ليضغط على زناده ويصيب عمار في مقتل قبل أن يأتي أحد الحراس .

يتصبب عرقًا وفي الوقت ذاته يتمنى ألا يفشل ، بات بينه وبين انتقامه وأخذ ثأره خطوةً ولكن يمنعه وقوف جابر ومهران أمام شقيقهما .

أصبح متأهبًا بكامل تركيزه حينما ابتعد مهران وبقى جابر الذي تحرك خطوة كاشفًا جسد شقيقه أمام العدو الذي تجلى العداء في مقلتيه وكاد أن يضغط على الزيناد ، ولكنه وجد يدًا تدفعه بعنفٍ فخرجت الطلقة في الهواء وصدح صوتها منفردة لينتفض الجميع ويتأهب عبد الوهاب وأولاده ملتفين كدائرة ثلاثية حول عمار ، وانتشر الحراس على الفور لذا أسرع يونس ابن عم أيوب يسحبه بقوة برغم اعتراض الآخر ، إلا أنه نجح في سحبه و إدخاله السيارة وانطلق يغادر مسرعًا قبل أن يلحق بهما أحد .

ولكن ما حدث كان كفيلًا بأن يوتر الأجواء ليدرك عبد الوهاب أن هذه الطلقة ليست عابرة وأنها لم تخرج احتفالًا بل كانت تستهدف ابنه خاصةً حينما جاؤه أحد الحراس ومال يهمس إليه بشيءٍ ما ، لذا أومأ ووقف يردف بنبرة عالية وشموخٍ يواري بهما ألمه وصخب قلبه وخوفه على ابنه :

- كملوا الليلة يا رچالة ، الناس فرحانة وعيضربوا نار في الهوا ، بس بزيادة إكدة لاجل ما حد يتصاوب لا سمح الله .

أومأ الجميع وعادوا للاحتفال بينما تبادل عمار النظرات مع والده وشقيقيه ليدرك أنه الهدف ، زفر بقوة وتجهمت ملامحه وقبض على كفيه حتى برزت عروقهما ليقرر أن يتحرك إلى داخل القصر ، وهل يملك حرية التحرك خارجه ؟

دلف فاستقبلته والدته التي وصل إليها الخبر عن طريق إحدى الخادمات ، تتفحصه بلهفة أمام الأعين وهذا الأمر لم يزده إلا عجزًا وضيقًا لذا أبعدها ونطق يحدق بها بثقبٍ ورجاء :

- أني زين ، سيبيني دلوك .

قالها وتحرك نحو غرفته يختلي بها بهمومه وأفكاره ووقفت تطالعه بقلبٍ عاجز ومنفطرٍ عليه .

❈-❈-❈

في نجع آل حامد

دلف يونس يقبض على ذراع أيوب ويدفعه للداخل بحدة والآخر يقاوم بعنف حتى نفضه أمام جده والجميع ليصيح الآخر بغضبٍ سافر :

- وجفتني ليه ؟ وتلحجني ليـــــــــــه ؟ كان زماني خلصت عليه وارتاحنا من العار ده .

من حسن الحظ أنه لحق به، فقد رآه حينما كان يعود من المسجد، كان يتخطى حدود أراضيهم ويعبر حدود أراضي آل حانا ليدرك يونس أنه لا يُقبل على خير، خاصةً وأن الجميع يعلم بالحفل المقام لديهم .

نطق يونس بغضبٍ مماثل معترضًا :

- وبعدين ؟ إيه اللي حيحصُل بعد ما تجتله ؟ فكرك انهم حيسبوك تعيش دجيجة واحدة يا غبي ؟

صاح أيوب مستنكرًا وأعماه الغضب والفشل عن وجود جده وعمه وزوجة عمه :

- مالكش صـــــــــالح انت ، ولا لتكون حنيت لولد خالك ومارضيتش ناخد بتارنا منيه ؟ صوح الوچع والجهر اللي جوة جلوبنا لا انت ولا أمك عتحسوا بيه .

- أيــــــوب .

صاح بها الجد زيدان مستنكرًا وهو يدب عصاه أرضًا بغضبٍ ليسترسل محدقًا فيه بنظرة محذرة :

- لما تتحدت عن مرت عمك تبجى تحترم حالك زين ، منصورة هي اللي ربتك وكبرتك انت واختك ، ولو مالكش خير فيها يبجى انت ابن حرام .

توسعت حدقتا أيوب وكظم غيظه من حدة جده ، لتتحدث فرحة التي جاورت شقيقها بنبرة جسورة كشخصيتها :

- لا يا چدي إحنا أولاد الحوامدية وماحدش فينا ولد حرام ، وأمي منصورة فوج راسنا ، بس أيوب معاه حج ، ماحدش حاسس ولا داري بالنار اللي جايدة في جلوبنا ، وانت وعدتنا إننا حناخد بتارنا من اللي جتل أخوي بدم بارد ، ومن خمس سنين لحد النهاردة وهو عايش بيتمتع بحياته وبيتباهى باللي عمله ومافيش جواه ذرة ندم واحدة ، عايزنا نتحمل اللي بيحصل ده كيف ؟

تفاقمت نيران أيوب من كلمات شقيقته وتجلى ذلك على تقاسيم وجهه المكفهر ، بينما التزمت منصورة الصمت مراعاة لمشاعرهما برغم قلبها المتألم على ابن شقيقها وعلى الحالة التي وقعت بين العائلتين فجعلتهما أعداء ، أما حسان زوجها فنطق بتعقل يردف :

- يابتي مش كل حاچة بتتحل بالدم ، يعني أخوكي يروح يجتله دلوك ويرجعوا هما يخلصوا عليه وندخل في سلسال دم ماحدش هيخرچ منيه سليم ؟ فكروا زين .

نطقت بحرقة وتخبط وملامح مشدوهة بالغضب والنار :

- يبجى أنا اللي اجتله ، وماحدش هياخد تارة من حُرمة ، اجتله واريح أخوي في تربته .

عاد الجد زيدان يدب عصاه أرضًا ونهض يصيح بغلظة :

- مابجاش في رچالة في الحوامدية ولا إيه ؟ هنسيب حريمنا هما اللي ياخدوا بتارنا ؟ اطلعي فوج وابجي اعرفي عتجولي إيه بدل الهرتلة دي ، الموضوع ده سبيه للرچالة تحلوا .

التفت ينظر إلى أيوب و تابع :

- وانت يا ولد علي ، من ميتا واحنا بنغدروا بالناس ؟ عنديهم مناسبة وابنهم چاي من سفره يبجى مانسرجش فرحة الناس حتى لو لينا عنديهم حج ، اكدة ولا اكدة حجنا هناخده ، ودم مؤمن ماعيروحش هدر واصل ، ومرة تانية لو اتصرفت من راسك من غير ما ترچعلي حرفع يدي عنيك وحسفرك برا وماعترجعش النچع مرة تانية ، خد خيتك واخفو من جدامي .

قالها يلوح بيده ناهيًا النقاش معهما لتنظر فرحة نحو شقيقها لبرهة ثم تتحرك نحو غرفتها ويتبعها أيوب بغضٍ مكظوم .

التفت الجد بعدها ينظر إلى يونس حفيده ويستفهم بترقب :

- حد منيهم لمحكم يا ولدي ؟

وقف يونس بشموخه المعتاد ينطق بنبرة رصينة :

- لا يا جدي اطمن ، بس هما أكيد خابرين زين إن العيار ده خرج من عندينا .

أومأ الجد وعاد يجلس ويفكر وهو يملس على لحيته الطويلة لتردف منصورة بحنينٍ ملازمٍ لها على مدار سنوات :

- بالله عليك يا أبوي شوف حل في التار ده ووجفه ، هنفضل عايشين في الوجع دي لحد ميتا ؟

نطق حسان زوجها يحاول فرد التوازن بينهما :

- اعمل اللي تشوفه صُوح يا أبوي ، ولو تحب تچمع أعمامي وأولادهم ونتفج كلياتنا على جرار واحد يبجى عين العجل ، وساعتها أيوب ماعيخرجش من تحت طوعنا ، واللي تحكموا بيه حيمشي ع الكل .

صمت زيدان يفكر ولم يعطِهم جوابًا لما ينوي فعله ، بل أشار لهم بيده أن يغادروا وبالفعل تحرك كلٍ منهم نحو غرفته وتركوه .

❈-❈-❈

بعد وقتٍ

غادر الجميع قصر آل حانا وانتهت الحفلة.

وقف عبد الوهاب بين أولاده في حديقة القصر بعدما نادى عمار وانضم إليهم مجددًا ، يحاولون تجاوز ما حدث ، أو هكذا يدعي عبد الوهاب ولكن من المؤكد أنه يبحث عن حلٍ لينطق بهدوء :

- ما حنعيدش ونزيد في اللي حُصل ، لو طلع ولد الحوامدة هو اللي عمل إكدة يبجى ليه كبير يترد عليه .

نطق جابر معترضًا بانفعال :

- وإحنا لسة حنجول هو ولا مش هو يا بوي ؟ ما كلنا خابرين زين إن ماحدش يجرؤ يعمل كدة غيره ، الواد ده لازمًا يتعلم الأدب صوح ، سيبوهولي وأني هربيه .

طالعه عبد الوهاب بغضبٍ ثم تجاهله والتفت ينظر نحو عمار الذي نطق بملامح ساخرة تحمل على متنها اليأس :

- إيه يا بوي ؟ أخوي الصغير هو اللي هيربي أيوب ؟ والحرس هما اللي حيأمنوني زين ؟ ولساتني حجعد خمس سنين كمان في الحظر ده ؟ أني بجول نهملهم ياخدوا بتارهم ونرتاح بجى .

نطق عبد الوهاب يواري ضيقه حيث عجز في حل هذه المسألة برغم براعته في حل مشاكل كل من حوله :

- مافيش تار حيتاخد ، وجريب جوي الموضوع ده حيتحل من جذوره ، وماعيزش اسمع حديت مالوش عازة .

نظروا لبعضهم بصمتٍ وكلٍ منهم يحمل أفكارًا مثقلة ولكن الاعتياد أجبرهم على التعامل لذا زفر جابر وأردف بعد أن انتهى والده :

- أني حروح أسهر شوي مع الشباب .

نظر له والده باستنكار يردف :

- شباب إيه دلوك ؟ أومال الليلة اللي عملناها اهنة دي لزومها إيه ؟ ادخل يا چابر علشان والدتك وابجى روحلهم ليلة تانية .

تحمحم جابر ونظر لشقيقيه المترقبان لينطق معترضًا يحاول إقناعه :

- يا بوي أنا سلمت على أمي وحبيت على يدها كمان ، ادخلوا انتوا واني معاتأخرش ، أني أديت كلمة للرچالة مايصحش أرجع فيها عاد .

زفر عبد الوهاب مجبرًا على القبول ولكنه أردف رافعًا سبابته :

- جدامك ساعة وترچع ، وإياك تروح أماكن مش بتاعتنا ، فاهمني عاد !

أومأ چابر زافرًا ثم تحرك يغادر مع أصدقائه الذين يقفون له في الخارج وحينما لمحوه هللوا ترحيبًا فاندمج معهم وتحركوا سويًا يستقلون سيارة أحدهم متجهين إلى وجهتهم .

تحدث الأول يتساءل بترقب :

- إيه يا چابر ناوي على إيه ؟

ابتسم شاعرًا بـ طاقة مضاعفة بعدما خلع ثوب هموم عائلته يجيب :

- ماتجلجوش يا رچالة أنا عند وعدي ، حفتح شركة البرمجة ونتلم كلياتنا فيها ، وحنعمل أحلى شغل مع بعض ، إحنا راچعين وبجوة وماحدش هيجدر ينافسنا .

أردف الآخر :

- أيوة بجى يا چابر ، أني جولت ماحدش هيكسر شوكة معتز النعماني غير ولد الحنانوة ، لو تشوفه دلوك ، بجى ماشي طايح في الكل وماعيعبرش حد واصل كنه عمل اللي ماحدش عمله .

ليناقشهما الثالث مردفًا بنبرة عقلانية :

- بس الحج يتجال يا رچالة هو عرف يختار الفريج اللي معاه زين ، وهما دول اللي منچحينه ، منجيهم ع الفرازة كيف ماعيجوله .

شرد جابر في حديثهم لبرهة ثم تساءل بترقب :

- مين يعني دول ؟ شباب من اللي كانوا ويانا في الجامعة ؟ ولا وچوه چديدة ؟

أجابه الثالث :

- لاء ، وچوه چديدة ، تجريبًا إكدة دي الدفعة اللي چت بعدينا بسنتين ، بس دماغهم ذرية ، شغالين شغل من نار وياه ، طول عمره محظوظ الواد ده .

تملكت جابر روح المنافسة ، واستعاد ذكريات جامعته مع ذلك المعتز الذي كان يتلذذ باستفزازه آنذاك ، لذا ابتسم بحماسٍ وقرر أن يرد له جزءًا من استفزازه ، ليردف بمغزى مبطن :

- خلونا نچمع معلومات عن الناس دي يا رچالة ، مش معجول يلم كل الحلوين وياه ، فيها إيه يعني لما ناخد من عنديه واحد ولا اتنين ولا حتى تلاتة .

تحمسوا واشتعلت داخلهم شرارة المنافسة مثله ، حيث كانوا بانتظاره ليعود ويحفزهم ويضع لهم الخطط الحماسية ، لذا تعالت ضحكاتهم وانطلقوا يستكملون حديثهم عن ذكرياتهم مع معتز النعماني .

❈-❈-❈

في قصر حسنين .

جلس هو وأولاده يتحدثون عن تفاصيل حفل استقبال جابر ، يدققون في أصغر التفاصيل ، يهتمون ويحقدون على معارف الحاج عبد الوهاب ومحبتهم له .

صاح حسنين معنفًا ابنه راجح :

- وانت يا مخبول ، حبكت يعني تتحدت وعمك جاري ؟ افرض سمعك وانت بتجول اكدة ؟ مش تظبط نفسك اكدة وتتعلم من أبوك .

تأفأف راجح بضيق يلوح بيده ونظر الى شقيقه سيد الذي نطق :

- سيبك من راجح دلوك يا بوي وجولي عتتحدت مع عمي ميتا في موضوع نوارة ؟

نظر حسنين لابنه يبتسم بمكرٍ وشرد يوضح :

- من غير ماتكلم ، موضوعك انت ونوارة يعتبر محلول ، مهو مش معجول أخوي هيروح يرمي بنته لابن عمتك نچوى الشمام ، مافيش غيرك أحج واحد بيها ، بس اصبر لما أفتح معاه موضوع عمار الأول ونضرب عصفورين بحچر واحد ونعمل ليلة كبيرة ، إنت و نوارة ، وعمار وولاء .

جاءت ولاء تحمل صينية الشاي وتتبعها رانيا زوجة راجح وجلستا لتردف الأولى بضيق :

- عمار كيف بس يا بوي ؟ عتجوزني لواحد عليه تار ؟

حدجها بنظرة غضب وصاح يوبخها :

- اكتمي يابت ماتتحدتيش واصل ، جال عليه تار جال ، وبعدين ماتخافيش جوي إكدة ، ماحدش من الحوامدة يجدر يجرب عليه ، عمك عبد الوهاب مأمنه زين ، وحتى لو جربوا عليه وخدوا تارهم بردك حتطلعي إنتِ الكسبانة .

نطقها بلا مبالاة فطالعته بضيق فابتسم باستفزاز حيث يدرك وهي تدرك أن لا رأي بعد قراره ، نعم كانت ترغب وتتمنى الزواج من عمار ولكنها تحب نفسها أكثر لذا تخشى الزواج منه الآن فيقتلوه وتصبح أرملة وتضيع حياتها هباءً ، فهي تتمنى لو تغادر هذا المنزل وتحظى بزوجٍ هاديء وحنون كمهران زوج شقيقتها ، وربما عمار يشبهه ولكن يبقى ثأره مسألة اعتراض كبرى بالنسبة لها .

عاد حسنين يستطرد بنبرة متسلطة عالية أمام الجميع :

- ماعايزش حد فيكم يعترض على حاچة أجولها ، أني عارف مصلحتكم زين ، وجدامكم أهو مرت أخوكم راجح ، وچوازة نهاد من مهران .

هدفه المكسب سواءً كان سلطة أو مال

فعائلة رانيا زوجة راجح تمتاز بالثراء والقوة لذا اتخذها زوجة لابنه بدعم وتدخل من عبد الوهاب برغم صغر سن الفتاة حيث لم تكمل الثامنة عشر بعد ، وكذلك سعى مرارًا ليزوج ابنته نهاد من مهران ونجح في هدفه حينما طلبها عبد الوهاب لابنه عنوةً مرغمًا على ذلك .

❈-❈-❈

الليل في النجع يشهد على الكثير من الخبايا ، القمر مكتملٌ في سمائه ، والناس نيام ، والأجواء هادئة تتناسب مع بعض النفوس السيئة .

خطت خارج منزلها تلتفت حولها ، تتحرك دومًا في هذا الوقت من الليل كي لا يراها أحد ، ترتدي عدة أقنعة ولكنها الآن تبدو بوجهها الحقيقي المخيف ، السمار عادةً يعكس الطيبة ولكن سمارها خبيث خاصةً حينما يتحد مع نظرتها المخيفة .

تسير بين الأزقة لتصل إلى وجهتها متجردة من بقايا الضمير وكأنها لم تكن يومًا ابنة هذه العائلة التي تربي أبناؤها على الأخلاق والدين .

نزعت عنها هاتان الصفتان ، وقررت أن تتخذ سبيل الطمع و الحقد ، فلن تتنازل عن تحقيق هدفها مهما حدث ، وستستحوذ على المال والسلطة ولن تتركهما لشقيقها حسنين ، يكفيه زواج ابنته من مهران .

طرقت باب أحد البيوت ووقفت تتلفت حولها إلى أن فُتح الباب فدلفت مسرعة قبل أن يراها أحد ....

❈-❈-❈

دلف غرفته بعد جلسة مطولة مع والده لم يرحب بانتهائها وظل يناقشه عن العمل والشركة ، ولكن عبد الوهاب أجبره على الصعود لزوجته مع تقديم بعض النصائح التي يسمعها بأذنه اليمنى ويليقيها من اليسرى .

كانت تنتظره بعدما نام صغيرها بصعوبة ، ترتدي رداء نومها ذو اللون الأزرق ، وتركت خصلاتها الناعمة تنسدل خلف ظهرها ، ووضعت عطرًا تعلم أنه يحبه ، ووقفت تستقبله بابتسامة باهتة تخفي خلفها حزنها الذي بات جزءًا لا يتجزأ منها .

وقف يحدق بها ، لا ينكر حُسنها ونعومتها وأنوثتها ولكن هناك حاجزًا مُقامًا داخله لا يستطيع هدمه مهما حاول ، لذا تنفس بصعوبة وتحرك نحو الحمام يردف بهدوء :

- حمزة نام بدري يعني ، مش عوايده .

أومأت تبتسم وأدركت أنه يتجاهلها كالعادة ولكنها حاولت التقرب منه فقالت وهي تتحرك وتعيق حركته :

- نيَّمته ، إنت أكيد همدان ومحتاچ ترتاح ، عنك أنت .

حاولت أن تخلع عنه جلبابه ولكنه اعترض يردف بخفوت :

- وجفي عاد عتعملي إيه ؟

أجابته بعدما نجحت بالفعل في تجريده منه :

- ارتاح انت بس يا مهران وأني هعملك اللي إنت رايده ، أني مش عايزاك تبجى زعلان مني و النهاردة صُوح زودتها ، إنت معاك حج ، مهواش وجته الحديت اللي جولته .

وقف يتعمق فيها ، ورائحتها تشتته عن جموده وتحرك حواسه برغم أقفال قلبه الموصدة لذا زفر وأومأ يجيبها :

- حُصل خير ، أني بس عايزك ماتفكريش في الماضي كتير .

ابتسمت له وشعرت بحنانه الذي تتلهفه في هذه الجملة ، اعتادت أن تعتصر حروفه لتستخرج منها حبًا تتلهف له ، لذا أومأت تجيبه وهي تضع كفيها على صدره وتحدق به بنظراتٍ هائمة :

- حاضر .

تنهد مطولًا وظل يتفحصها عن قربٍ ليجد نفسه محاصرًا بمطالبه كرجل ، وباتت مشاعره تناديه لذا حاوط رقبتها بكفيه ومال عليها يقبلها ويغمض عينيه لينتشل دقائق لا ينكر أنها تظل الأفضل من بين جميع أوقاته على الإطلاق .

يتبع

•تابع الفصل التالي "رواية صياد النايا الحانا " اضغط على اسم الرواية

أخبار ذات صلة

0 تعليق